أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
475
قهوة الإنشاء
باشتقاق أفعال الجود لواردها مصادرا ، ولا زالت عند عرض الألفاظ المطوّلة تقبل إعذار المقصّرين ، وحاشا موجد حبّها أن يخذل وبها ناصر الدين . وينهى أنه تطفّل على كبر قدر مولانا ببراعة هذه العبارة على قدر مقامه ، لعله أن يكون ممن اصطفاه برسالاته وبكلامه ، ويجمع بجبر قلب العبد إذا كاتبه بين الثواب والجواب ، ويتقلد من جواهر فكره الذي أمره أن يجوب بحار المعاني ويجيء بالدر فجاب ، ويتقدم أبو بكر في مسابقته لتصديق الرسالة المحمدية على الأصحاب ، وينظر المملوك إلى طروس لمعت بروقها الشامية بنيل المطلوب ، وانفرجت بها كرب القلب فيقول : « هذا هو البرق الشامي ومفرّج الكروب » ، ويستيقظ عند صباح ذلك الطّرس وقد ظهر متبلّجا ، وقد حمد فيه سرى تلك المعاني فيعوّذ بياضه وسواد سطوره ب الضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى « 1 » ، ويطرب لطيور إنشائه وهي تسجع في الأوراق ، وقد كادت أن تطير بأجنحة الطروس إلى أوكار أسماعنا على الإطلاق ، وتقول هذه الأسجاع التي نفث سحرها في عقد الأقلام : فلله درّ هذا اليراع الذي حاز قصبات السبق إلى الأسنة لأنّ له إذا جال في ميادين النثر نظام : [ من الطويل ] طعان بأطراف القوافي كأنّه * طعان بأطراف القنا المتقوّم ويحظى المملوك من هذا المثال الذي ليس لحسنه مثال بالوصل ، وتعتدل فصول مسرّاته كلما دخل منه إلى فصل ، ويقول : « الحمد للّه الحكيم اللطيف بعبادته » . لقد صحّ القلب الضعيف وتداوى بصحة هذا الرسالة ويستغني ببياضها عن السويدي ورسالته . وينشق من طيّ منشورها رائحة تلك المعاهد ، ويعود بصلة وصلها إليه من المسرة عائد ، ويتذكر تلك المواقف التي كلما همّ المملوك أن يقف بها مرة أخرى قال له لسان الحرمان : « عزيز أن يتفق لابن حجّة وقفتان » . وقد علم اللّه أنه لم يكن تأخير العبوديات من العبد إلا حسدا أن يفوز دونه بالملتقى . وحياء أن يرسل إلى تلك الرياض التي سما قدرها بزهر المعاني ورقى . وطمعا أن لا يتخصص بذلك الحي غيره ويصف « 2 » برد تلك المناهل . وحسدا ثانيا أن تحظى المطالعات دونه بالوصول إلى تلك المنازل . وبعد فإن كان المملوك قد تجاهل بهذه المطالعة إذ ليس هو من أهل هذا المقام ، فليكن جوابه من مولانا
--> ( 1 ) سورة الضحى 93 / 1 - 2 . ( 2 ) يصف : نب : يرشف .